Thursday, 17 October 2019
A+ R A-

وِلادَةُ سَيِّدِنا عِيسَى المسِيحِ عليهِ السَّلامُ

Listen to the Friday Speech in English here: Immaculate Birth of Prophet Jesus

الحمد لله الواحدِ الأحدِ• الفردِ الصمدِ• الذى لم يلدْ ولم يولدْ• ولم يكن له كفوًا أحدٌ• والصلاة والسلام على المبعوث إلى كل أحدٍ• محمَّدٍ مَنِ اسمُه فى القرءان وقدومُه فى الإنجيل وَرَدَ• وعلى ءاله وصحبه ومنِ اتَّقَى اللهَ كلما قام وقعَدَ•

أما بعد عباد الله، فإنى أُوَصِّيكم ونفسىَ بتقوى الله جَلَّ وَعَزَّ القائلِ فى محكم كتابه: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ ٱللَّهِ كَمَثَلِ ءَادَمَۖ خَلَقَهُۥ مِن تُرَابٖ ثُمَّ قَالَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٥٦﴾ سورة ءال عمران

إخوة الإيمان، يطيب لنا اليوم أن نتكلم عن نبىٍّ عظيمٍ من أُولى العزمِ، خَصَّهُ اللهُ بميزة عظيمةٍ بأن خَلَقَه جَلَّ وَعَزَّ من غير أبٍ. وما ذاك بعزيزٍ على الله، فقد خلق اللهُ أبانا ءادمَ عليه السلامُ من غيرِ أبٍ وأمٍ.

وأمُّ نبىِّ الله عِيسَىٰ عليه السلام هىَ السيدةُ مريمُ بنتُ عمران عليها السلام الصِّدِّيقةُ الوليّة العذراء الطاهرة التى تربَّت فى بيت الفضيلة وعاشت عيشة الطهر والتقوى، تُؤَدِّّى الواجباتِ وتجتنب المحرمات وتُكثِرُ منْ نوافلِ الطاعاتِ. وقد أثنى الله جَلَّ وَعَزَّ عليها فى القرءان الكريم فى مواطنَ عديدةٍ ، منها: ﴿وَمَرۡيَمَ ٱبۡنَتَ عِمۡرَٰنَ ٱلَّتِيٓ أَحۡصَنَتۡ فَرۡجَهَا فَنَفَخۡنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتۡ بِكَلِمَٰتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِۦ وَكَانَتۡ مِنَ ٱلۡقَٰنِتِينَ ١٢﴾ التحريم . وهى التى بَشَّرَتْها الملائكةُ باصطفاءِ اللهِ تعالى لها منْ بين سائرِ النساءِ وبتطهيرِها من الأدناسِ والرذائلِ: ﴿وَإِذۡ قَالَتِ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ يَٰمَرۡيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصۡطَفَىٰكِ عَلَىٰ نِسَآءِ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٢﴾ سورة ءال عمران

والملائكةُ إخوةَ الإيمانِ، ليسوا ذُكورًا ولا إناثًا. بل هم عبادٌ مكرمونَ. خُلِقوا من نورٍ. وقد يتشكَّلونَ بهيئةِ الذُّكورِ من دونِ أن يكون لهم ءالةِ الذكورية. وعلى هذه الهيئة أرسلَ اللهُ سيدَنا جِبريلَ عليه السلامُ يومًا إلى السيدةِ مريمَ مُتشكّلاً بشكلِ شابٍّ أبيضِ الوجهِ. فلَمَّا رأتْ سيدتُنا مريمُ جبريلَ عليه السلام مُتشكِّلاً في صورةِ رجلٍ أبيضِ الوجهِ لم تعرفْه ففزِعتْ منه واضطَرَبَت وخافتْ على نفسِها منه. وظنَّتْهُ إنسانًا جاءَ ليعتدىَ عليها. فقالت ما أخبرَ اللهُ به: ﴿قَالَتۡ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِٱلرَّحۡمَٰنِ مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّٗا ١٨﴾ سورة مريم أى إن كنت تقيًّا مطيعًا فلا تتعرضْ لِى بسوء. فقالَ لها: ﴿قَالَ إِنَّمَآ أَنَا۠ رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩﴾ وفى رواية ورشٍ وقراءتَىْ أبى عمرو ويعقوب: ﴿لِيَهَبَ لَكِ غُلَٰمٗا زَكِيّٗا ١٩﴾ أى إنًَّ اللهَ أرسلَه إليها ليهبَها ولدًا صالحًا طاهرًا منَ الذنوب. فقالت مريم: ﴿قَالَتۡ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلَٰمٞ وَلَمۡ يَمۡسَسۡنِي بَشَرٞ وَلَمۡ أَكُ بَغِيّٗا ٢٠﴾ أى أنَّى يكون لى غلامٌ ولم يَقْرَبْنِى زوجٌ ولم أكنْ فاجرةً زانيةً؟ فأجابها جبريلُ عليه السلامُ عن تعجُّبِها: ﴿قَالَ كَذَٰلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٞۖ وَلِنَجۡعَلَهُۥٓ ءَايَةٗ لِّلنَّاسِ وَرَحۡمَةٗ مِّنَّاۚ وَكَانَ أَمۡرٗا مَّقۡضِيّٗا ٢١﴾ بأنَّ خَلْقَ وَلَدٍ من غيرِ أبٍ هيِّنٌ على الله جَلَّ وَعَزَّ وأنَّ الله سيجعلُهُ علامةً للناس ودليلًا على كمالِ قدرته جَلَّ وَعَزَّ ورحمةً ونعمةً لمنِ اتَّبعَه وصدَّقَه وءامنَ به.

ثم يقول ربُّنا جَلَّ وَعَزَّ فى القرءان الكريم: ﴿فَحَمَلَتۡهُ فَٱنتَبَذَتۡ بِهِۦ مَكَانٗا قَصِيّٗا ٢٢ فَأَجَآءَهَا ٱلۡمَخَاضُ إِلَىٰ جِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ قَالَتۡ يَٰلَيۡتَنِي مِتُّ قَبۡلَ هَٰذَا وَكُنتُ نَسۡيٗا مَّنسِيّٗا ٢٣ فَنَادَىٰهَا مِن تَحۡتِهَآ أَلَّا تَحۡزَنِي قَدۡ جَعَلَ رَبُّكِ تَحۡتَكِ سَرِيّٗا ٢٤ وَهُزِّيٓ إِلَيۡكِ بِجِذۡعِ ٱلنَّخۡلَةِ تُسَٰقِطۡ عَلَيۡكِ رُطَبٗا جَنِيّٗا ٢٥ فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا ٢٦﴾ سورة مريم

نفخ جبريل عليه السلام في جيب درع السيدة مريم وهى الفَتحة التى عند العنق، فحملت بعيسى عليه السلام. ثم تنحَّت بحملها بعيدًا خوف أن يعيِّرَها الناس بولادتها من غير زوج. ثم ألجأها وجع الولادة إلى ساق نخلة يابسة وهناك خوفا من أذى الناس تمنت الموت. فناداها جبريل من مكانٍ من تحتها من أسفلِ الجبل يطمئنها أن الله جعل تحتها نهرا صغيرا ويطلب منها أن تهز جذع النخلة ليتساقط عليها الرُّطَبُ الجَنِىُّ الطَّرِىُّ، وأن تأكل وتشرب ممَّا رزقها الله، وأن تقرَّ عينُها، وأن تقول لمن رءاها وسألها عن ولدها إنِّى نذرتُ للرحمن أن لا أكلِّم أحدا . وكان هذا نذرًا صحيحًا في الشرائع السابقة.

ثم بعد الولادة المباركة أيها الأحباب أتت السيدة مريم عليها السلام قومها تحمل مولودها عيسى عليه السلام على يدها فى بيت لحم كما أخبرنا الله جَلَّ وَعَزَّ فى القرءان الكريم: ﴿فَأَتَتۡ بِهِۦ قَوۡمَهَا تَحۡمِلُهُۥۖ قَالُواْ يَٰمَرۡيَمُ لَقَدۡ جِئۡتِ شَيۡ‍ٔٗا فَرِيّٗا ٢٧﴾. قالوا لها : لقد فعلتِ فِعلة منكرة عظيمة. فإن أباك لم يكن رجل سَوْءٍ، ولم تكن أمُّك زانية. وظنوا بها السوء وصاروا يوبِّخونها ويؤنِّبونها وهى ساكتة لا تجيب لأنها أخبرتهم أنها نذرت للرحمن صوما. ولما ضاق بها الحال أشارت إلى عيسى عليه السلام. عندها قالوا لها ما أخبر الله به بقوله: ﴿فَأَشَارَتۡ إِلَيۡهِۖ قَالُواْ كَيۡفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي ٱلۡمَهۡدِ صَبِيّٗا ٢٩﴾. عند ذلك أنطَقَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ الذى أنطَقَ كلَّ شىءٍ بقدرته سيِّدَنا عيسى عليه السلام وكان رضيعًا: ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ ءَاتَىٰنِيَ ٱلۡكِتَٰبَ وَجَعَلَنِي نَبِيّٗا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيۡنَ مَا كُنتُ وَأَوۡصَٰنِي بِٱلصَّلَوٰةِ وَٱلزَّكَوٰةِ مَا دُمۡتُ حَيّٗا ٣١﴾. هذا أول ما نطق به عليه السلام وهو فى المهد. ﴿قَالَ إِنِّي عَبۡدُ ٱللَّهِ﴾ إقرار منه بالعبودية لله الواحد القهار. وقوله ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أى جعلنى نَفَّاعًا معلِّما للخير حيث ما توجهتُ .

هذا وأستغفر الله لى ولكم.

الحمد لله الذى لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا• والصلاة والسلام على سَيِّدِنا محمَّدٍ، لن يَبعثَ اللهُ بعده نبيًّا أبدًا• وعلى ءاله وصحبه وتابعيه بإحسان لُِبَدًا• وبعد، فإنِّى أُوَصِّيكم ونفسىَ بتقوى الله جَلَّ وَعَزَّ.

روى البخارىُّ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "الأنبياءُ إخوةٌ لِعَلَّاتٍ. دينُهم واحدٌ وأُمَّهَاتُهُمْ شَتَّىٰ. وأنَا أَوْلَى النَّاسِ بعيسَى ابنِ مريم، ليس بينِى وبينَهُ نَبِىٌّ." أى دينُ الأنبياء جميعًا واحدٌ هو الإسلامُ، وشرائعُهم مختلفةٌ.

وقد نشأ عيسى عليه السلام نشأة حسنة فحفظ التوراةَ فى الكُتَّابِ، وعمل بشريعتها حتى أنزل اللهُ عليه الوحىَ. فدعا كسائرِ الأنبياءِ والمرسلينَ قومَه إلى الإسلامِ إلى عبادةِ اللهِ وَحْدَهُ وعدمِ الإشراكِ بهِ شيئًا. وبَشَّرَ عليه السلام كغيرِهِ من رُسُلِ اللهِ بخاتَمِ الأنبياءِ سيدِنا محمدٍ عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. وأوصى أتباعَه باتّباعِهِ ونُصْرَتِهِ إن أدركوه. فخاطب بنِى إسرائيلَ قائلًا ما أخبر الله فى القرءان العظيمِ: ﴿وَإِذۡ قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ يَٰبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِنِّي رَسُولُ ٱللَّهِ إِلَيۡكُم مُّصَدِّقٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيَّ مِنَ ٱلتَّوۡرَىٰةِ وَمُبَشِّرَۢا بِرَسُولٖ يَأۡتِي مِنۢ بَعۡدِي ٱسۡمُهُۥٓ أَحۡمَدُۖ فَلَمَّا جَآءَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ قَالُواْ هَٰذَا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ٦﴾ سورة الصفّ. فلم يُؤْمِنْ بِهِ إلا القليلُ. وكذَّبه الباقون وحَسَدُوهُ وقالوا عنه ساحرٌ. وءاذَوْهُ وسَعَوْا إلى قتلِهِ. لكنَّ اللهَ جَلَّ وَعَزَّ حفِظه ورفَعَه إلى السماءِ كما جاءَ فى القرءانِ الكريمِ: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينَۢا ١٥٧ بَل رَّفَعَهُ ٱللَّهُ إِلَيۡهِۚ﴾ سورة النساء.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.

الجمعة فلادلفيا ١٤ ربيعٌ الآخر ١٤٤٠ هـ - ٢١ ك١ ٢٠١٨ر


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط