Saturday, 17 August 2019
A+ R A-

مِن أَخْلَاقِ الرَّسولِ كَظْمُ الغَيْظِ وَصِلَةُ الأَرْحَامِ

Listen to the Friday Speech in English here: Restraining Anger and Maintaining Kinship

الحمدُ لله الذى رَفَعَ مَنْ أرادَ به خيرًا بالعلم والإيمان، وخَذَلَ المُعرضِين عن الهُدَى وَعَرَّضَهم لكلِّ هلاكٍ وهَوان. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لاشريك له، الكريمُ المنَّان. سبحانه لا يجرِى عليه زمان، ولا يحويه مكان. وأشهد أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، الّذى كمَّل الله له الفضائلَ والحُسنَ والإحسان. فصلَّى اللهُ وسلَّم على سيِّدنا محمَّدٍ مدَى الأزمان، وعلى ءاله وأصحابه الطَّيِّبين والتابعين لهُم بإحسان.

أمّا بعدُ عبادَ اللهِ فإنّى أُوَصِّيكم ونفسىَ بتقوى الله العزيز الغفّار، والسَّيرِ على نهجِ النَّبىِّ المختار، والثَّباتِ على شرعه إلى الممات، والعملِ بعمل الأبرار.

قال الله تعالى فى حق سيدنا محمد ﷺ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٖ ٤﴾ القلم. وروَى البخارىُّ من حديث عائشة فى وصف الرسول الأعظم ﷺ: ”كان خُلُقه القرءان.“ فمن أراد أن يعرف خُلُقَ الرسول ﷺ فليقرَإِ القرءانَ وليفهَمْه. فكلُّ خصلةِ خيرٍ أَمَرَ اللهُ فى القرءان بالتَّخَلُّقِ بها فهى مِن خُلُق الرسول ﷺ.

وروَى البخارىُّ من حديث أنس بن مالك أنه قال فى صفة رسول الله ﷺ: ”كان أحسنَ الناسِ خَلْقًا وخُلُقًا.“

وأخرج أبو بكر ابنُ لال فى كتابه "مكارم الأخلاق" أنَّ النبىَّ ﷺ قال: ”كنتُ بين شَرِّ جارَينِ عُقبةَ بنِ أبى مُعَيْطٍ وأبى لهَبٍ. كانا يرميان بما يَخْرُجُ من الناس على بابِى.“[1] أى أنه ﷺ كان يتحمل أذاهما مع أنه كان أشجعَ خَلْقِ الله على الإطلاق. وقد أُوتِىَ من القوة البدنية قوةَ أربعين رجلًا. ومع ذلك كان العفوُ خُلُقَه، والصبرُ شِيمَتَه، وتحمُّلُ الأذَى من الغير حالَه ودَأْبَه. وقد قال الحبيبُ المصطفى ﷺ: ”ما شَىءٌ أَثقَلُ فى ميزان المؤمن يوم القيامة مِن خُلُقٍ حَسَنٍ. فإنَّ اللهَ تعالى يُبغِضُ الفاحِشَ البَذِىءَ.“ قال الترمذىُّ حديث حسن صحيح.

وحُسْنُ الخلُق عبارة عن تحمُّل أذَى الغير، وكَفِّ الأذَى عن الغير، وبَذلِ المعروف. ومن الأخلاق التى جاء بها القرءانُ الأمرُ بالمعروف والنهىُ عن المنكر، والصبرُ على الأذى، وكفُّ الأذى عن الغير.

وانظروا إخوةَ الإيمان إلى هذا النبىِّ العظيم وإلى عظيم أخلاقه. فقد كان أحدُ أحبار اليهود من أهل المدينة ويسمَّى زيدَ بن سَعْيَةَ قد اطَّلع فى بعض الكتب القديمة أن نبىَّ ءاخرِ الزَّمان لا يزيده شدةُ الجهل عليه إلَّا حِلْمًا. فأراد هذا الحَبرُ اليهودِىُّ، بعد أن هاجر الرسول إلى المدينة، أن يعرف إن كان هذا الوصفُ ينطبق على الرسول. فعامَل الرسولَ بِدَيْنٍ مُؤَجَّلٍ لأجَل معلوم. ثم قبل أن يحِلَّ الأجلُ بثلاثة أيام جاء اليهودىُّ إلى النبىِّ ﷺ مطالبا بالدَّين. ونال من الرسول بكلمة تهزُّ المشاعرَ. فأراد سيدُنا عمرُ بن الخطاب رضى الله عنه أن ينتقِم منه. وكاد أن يبطِش به فيقتلَه. فنهاه الرسولُ الحليمُ الصبورُ. عندها علِمَ اليهودىُّ أنّ سيدَنا محمَّدًا هو رسول الله وأنه نبِىُّ ءاخرِ الزمان، فنطَق بالشهادتين.

ومِمَّا يُعينُ على تَحمُّلِ أذَى الغيرِ كظْمُ الغَيظِ فقد مَدَحَ اللهُ تعالى المُتَّقينَ الكاظِمينَ الغَيظَ، ووصَفَهُمْ بأنَّهُم مُحسنون، وأنَّهُم عندَ اللهِ محبوبونَ. فقد قالَ اللهُ تعالى: ﴿وَٱلۡكَٰظِمِينَ ٱلۡغَيۡظَ وَٱلۡعَافِينَ عَنِ ٱلنَّاسِۗ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٣٤﴾ ءال عمران. وفى الحديثِ الشَّريف: ”مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو قادرٌ على أن يُنْفِذَهُ دعاه الله عزَّ وجلَّ على رُءُوسِ الخلائقِ يومَ القيامة حتَّى يُخَيِّرَهُ الله مِن أىِّ الحُورِ العِينِ شاءَ.“ رواهُ أبو داودَ والتِّرمذىُّ وقال حديثٌ حسنٌ.

أخى المسلم، إذا أساء إليكَ إنسانٌ بِكَلِمَةٍ أوْ مَسَبَّةٍ فكظَمْتَ غَيظَكَ امتثالًا لأَمرِ اللهِ، وكُنتَ قادِرًا على أنْ تُنفذَه، فإنَّ اللهَ تباركَ وتعالى يُخَيِّرُكَ مِنَ الحورِ ما تشاءُ يومَ القيامةِ، فلْتكُن واسِعَ الصَّدرِ مُتسامِحًا كثيرَ الصَّفحِ .فالعَفْوُ مِنْ شِيَمِ الكرام.

وَمِنْ جُملةِ بَذْلِ المعروفِ للغير ما يدلُّ عليهِ حديثُ البيهقىِّ فى كتاب الأدَبِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قال لعُقبةَ بن عامرٍ لَمَّا سألهُ ما النَّجاةُ يا رسولَ اللهِ: ”تَصِلُ مَنْ قَطَعَكَ، وتُعطِى مَنْ حَرَمَكَ، وتَعفُو عمَّن ظَلَمَكَ.“

فأمَّا الخصلةُ الأولى فى قولهِ ﷺ: "تصل منْ قطعَك" فمعناها أنَّ لِلرَّحِمِ حقَّ الصِّلةِ. والرَّحِمُ هُمُ الأقارِبُ مِنْ جِهَةِ الأمِّ والأبِ. فلا يجوزُ للمرْءِ أنْ يقطعَ مَنْ تجبُ عليهِ صِلتُه منَ الأقاربِ بحيثُ يشعر بِالجَفاءِ إن لَمْ يصلْهُ، ولو قطع هذا القريبُ زيارتَه. والصِّلةُ الكاملةُ للرَّحمِ هو أن يصلَ الْمرءُ مَن قطعَهُ من الرحَّمِ. فلا يقولُ هذا رحِمٌ لا يزورنى فلا أزوره. فلا يجوزُ له أن يقابلَ القطيعةَ بالقطيعة، بل يجبُ عليه أن يُقابلَ القطيعة بالصِّلةِ. وإنَّ من أسبابِ التّفكُّكِ فى المُجتمعات قَطْعَ الأرحام. فيقولُ الرَّجُلُ مثلًا: إذا لَمْ يزُرْنى ابنُ عمِّى فلن أزورَه. وتقول المرأةُ إذا لم تزرْنى ابنةُ خالتى فأنا لستُ مُستعدّةً للتنازُل لزيارتِها.

إنَّ زيارة الأقارب الّذين لايزورونك ليست مهانةً ومذلَّةً، بل هى خَصلةُ خيرٍ وعملُ طاعة.

ومِن جملة الصِّلة الواجبة عليك أنّ الرَّحِمَ إذا وقع فى ضِيق، واحتاج لمن يعينهُ بالمالِ لسدِّ حاجاتِهِ الأصليّةِ ولم يُعِنْهُ أحدٌ بذلك وعرفْتَ بِالحالِ، وجبَ عليكَ سدُّ حاجتِهِ إن كنت قادرًا. وكم من إنسانٍ فى هذه الأيامِ يُضيِّعُ هذا الحقَّ، أعاذنا اللهُ من ذلك.

فاتّقوا اللهَ رحِمَكم اللهُ. واستعينوا بالله على مرضاته، واستمسكوا بآداب شريعته وهدْىِ نبيه ﷺ. تولَّانا الله جميعًا فى أنفسنا وذوينا ومُحِبِّينا .وأعاننا على امتِثالِ أمرهِ وطاعته واتّباعِ نبيِّه بِمَنِّهِ وكرمِهِ. هذا وأستغفرُ الله العظيم لى ولكم.

إنَّ الحمدَ لله نحمَدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونستهْدِيهِ، ونشكُرُه ونعوذُ باللهِ مِن شرورِ أنفسِنا وسيِّئاتِ أعْمَالِنا مَن يَهْدِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لهُ ومَن يُضْلِلْ فلا هادِىَ لهُ. وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله وحدَهُ لا شريكَ لهُ، وأشهدُ أنَّ محمَّدًا عبدُهُ ورسولهُ. صلَّى اللهُ على سيّدنا محمّدٍ وعلى كُلِّ رسولٍ أرسلهُ. أمّا بعدُ، عبادَ اللهِ أوَصِّيكُمْ ونفسىَ بتقوى اللهِ العلِىِّ العظيم.

ثم اعلم يا أخى أنَّه لا أدبَ أحسنُ مِنْ أدبِ رسولِ اللهِ ﷺ. جزاهُ اللهُ عنَّا أحسنَ الجزاء. وقدْ روى ابنُ حِبَّانَ بالإسناد الصَّحيح أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ”ليسَ الشَّديدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ، ولكنَّ الشَّديدَ مَنْ غلَبَ نفسَهُ.“

وإنَّ تعويدَ النَّفسِ على تَحمُّلِ أذى الغيرِ يكونُ وسيلةً إلى الدَّرَجاتِ العُلَى. ومن كظَمَ غَيظَهُ ومَلَكَ نفسَهُ عِندَ الغَضَبِ حَفِظَها ووَقاها. فكَم مِن جريمةٍ سبَبُها الغَضَبُ! وكم مِن قطيعةِ رَحِمٍ بينَ الإِخوةِ والأَقارِبِ سببُها الغَضبُ! وكم مِنَ الخِلافاتِ والْمُنازَعاتِ سببُها عدَمُ كَفِّ النَّفْسِ عندَ الغضَبِ!

وإنَّ أخطرَ ما يقعُ فيهِ الإنسانُ فى حالةِ الغضبِ هو الكُفرُ والعياذُ باللهِ تعالى، كهؤُلاءِ الّذينَ لا يتوَرَّعونَ مِن مَسَبَّةِ اللهِ لِمُجَرَّدِ أن خالفَتْهُ زَوْجَتُهُ فى أمرٍ ما أو لِمُجَرَّدِ أن عصاهُ ولدُهُ ولَمْ يُنَفِّذْ لهُ أوامرَه. قالَ الحافظُ النَّوَوِىُّ: "لو غَضِبَ رَجُلٌ على ولدِه أوْ غُلامِهِ فَضَرَبَهُ ضَرْبًا شديدًا، فقالَ لهُ رجُلٌ: أَلستَ مُسْلِمًا؟ فقالَ: لا مُتَعَمِّدًا كَفَرَ." أى بإرادتِهِ، ولو كان غاضبًا. بل نَصَّ على ذلك غيرُهُ من شافعيَّةٍ وحنفيَّة ومالكيَّة وغيرِهم.

اللهم إنَّا نسألك أن تجعلَنا من عبادك المتخَلِّقين بأخلاق نبيِّك المصطفَى وشمائلِه العظيمة.

اللهم اغفِرْ للمؤمنين والمؤمنات.

الجمعة مسجد عمر ٢ ذو القعدة ١٤٤٠ هـ - ٥ تمّوز ٢٠١٩ر

[1] وفى طبقات ابن سعد عن عائشة رضِىَ الله عنها أنها قالت: قال رسول الله ﷺ: ”كنتُ بين شرِّ جَارَين، بين أبِى لهبٍ وعُقبَةَ بن أبِى مُعَيْطٍ. إن كانا لَيَأْتِيَانِ بالفُرُوثِ فَيَطْرَحَانِهَا عَلَى بابِى. حتى إنهم لَيَأتُون بِبَعضِ ما يطرَحون من الأذى فيطرحونه على بابِى.“


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط