Saturday, 28 March 2020
A+ R A-

في الفِتَنِ

Listen to the Friday Speech in English here: About Trials & Tribulations

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ونستغفره ونتوب إليه. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا محمدًا عبده ورسوله وصفيه وحبيبه. صلى لله وسلَّم عليه وعلى كل رسول أرسله.

إخوة الإيمان أوصيكم ونفسي بتقوى الله، بأداء ما أوجب علينا وأمَر، واجتناب ما نهى عنه وزجَر. قال الله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨﴾ الحشر

أما بعد فقد قال عليه الصلاة والسلام فيما رواه مسلم: ”بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا.“

في هذا الحديث الحث على المبادرة إلى الأعمال الصالحة قبل تعذرها والاشتغال عنها بما يحدث من الفتن الشاغلة المتكاثرة المتراكمة كتراكم ظلام الليل المظلم لا المقمر. وقد وصف ﷺ نوعًا من شدائد تلك الفتن، وهو أن الشخص يمسي مؤمنًا ثم يصبح كافرًا أو عكسه. وما ذاك إلا لعظم الفتن حتى ينقلب الإنسان في اليوم الواحد هذا الانقلاب. أعاذنا الله من ذلك.

وفي رواية لأبي داود: ”إِنَّ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ فِتَنًا كَقِطَعِ اَللَّيْلِ اَلْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ اَلرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا. اَلْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ اَلْقَائِمِ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ اَلسَّاعِي. قَالُوا: فَمَا تَأْمُرُنَا يَا رَسُولَ اَللَّه؟ قَالَ: كُونُوا أَحْلَاسَ بُيُوتِكُم.“ والأحلاس جمع حِلس، وهو الكساء الذي يلي ظهر البعير تحت القِتْبُ (والقَتَبُ إِكافُ البعير). والمعنى الزموا بيوتكم ولا تشاركوا فيها وما ذاك إلا لعظيم حرمة قتل المسلم بغير حق، ومخافة الانجرار إلى أن يقع المرء في ظلم عظيم.

وفي رواية لأبي داود أيضًا: ”إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ. يُصْبِحُ الرَّجُلُ فِيهَا مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، وَيُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا. الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنَ الْقَائِمِ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنَ السَّاعِي. فَكَسِّرُوا قِسِيَّكُمْ، وَقَطِّعُوا أَوْتَارَكُمْ، وَاضْرِبُوا بِسُيُوفِكُمُ الْحِجَارَةَ. فَإِنْ دُخِلَ عَلَى أَحَدٍ مِنْكُمْ بَيْتُهُ فَلْيَكُنْ كَخَيْرِ ابْنَيْ ءادَمَ.“ أي كهابيل الذى قتله أخوه قابيل كما أخبر الله تبارك وتعالى عنهما في سورة المائدة: ﴿وَٱتۡلُ عَلَيۡهِمۡ نَبَأَ ٱبۡنَيۡ ءَادَمَ بِٱلۡحَقِّ إِذۡ قَرَّبَا قُرۡبَانٗا فَتُقُبِّلَ مِنۡ أَحَدِهِمَا وَلَمۡ يُتَقَبَّلۡ مِنَ ٱلۡأٓخَرِ قَالَ لَأَقۡتُلَنَّكَۖ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٢٧ لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي مَآ أَنَا۠ بِبَاسِطٖ يَدِيَ إِلَيۡكَ لِأَقۡتُلَكَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٨ إِنِّيٓ أُرِيدُ أَن تَبُوٓأَ بِإِثۡمِي وَإِثۡمِكَ فَتَكُونَ مِنۡ أَصۡحَٰبِ ٱلنَّارِۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ٢٩ فَطَوَّعَتۡ لَهُۥ نَفۡسُهُۥ قَتۡلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُۥ فَأَصۡبَحَ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٣٠﴾

لما أراد ءادم تزويجَ كلٍّ من قابيلَ وهابيلَ أختَه غيرَ التوأم قال قابيل: أنا أحق بأختى. فأمره ءادم فلم يأتمر، وزجره فلم ينزجر. فاتفقوا على تقريب القربان. وكان قربان قابيل حزمةً من سنبل - لأنه صاحب زرع - واختارها من أردإ زرعه، ثم إنه وجد فيها سنبلة طيبة ففركها وأكلها. وكان قربان هابيل كبشًا - لأنه كان صاحب غنم - أخذه من أجود غنمه. فرُفع الكبش إلى الجنة. فلم يزل يرعى فيها إلى أن فُدِىَ به الذبيح عليه السلام. فلما تُقبِّل قربانُ هابيل قال له قابيل حسدًا: أتمشى على الأرض يراك الناس أفضلَ منى! لأقتلنَّك. وقال هابيل: لئن قصدتَ قتلى فأنا لا أقصد قتلك. وهو استسلام منه. وروى أبو داود عن سَعْدِ بنِ أبِى وَقّاصٍ عن النّبىّ ﷺ فى هَذَا الحديثِ قال: ”قلْتُ يَا رَسُولَ الله أرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ عَلَىّ بَيْتِى وَبَسَطَ يَدَهُ لِيَقْتُلَنِى؟ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ: كُنْ كَابْنِ ءَادَمَ (وفى روايةٍ: كخيرِ ابنَىْ ءادم)، وَتَلاَ يَزِيدُ بنُ خَالِدٍ الرّمْلِىّ (راوى الحديث لأبى داود) ﴿لَئِنۢ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقۡتُلَنِي﴾ الآية.“ أى فلتستسلم حتى تكون قتيلًا كهايبل ولا تكن قاتلًا كقابيل. وكأن هابيل أراد إنى لست بحريص على قتلك. فالإثم الذى كان يلحقنى لو كنت حريصا على قتلك أريد أن تحمله أنت مع إثمك فى قتلى. وهذا معنى قول النبى ﷺ: ”إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فى النار. قيل: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه.“

فطوَّعت له نفسه أى سوَّلت وسهلت نفسه عليه الأمرَ وشجعته وصورت له أن قتلَ أخيه طوعٌ سهلٌ له. وقال ابن عباس وابن مسعود: وجَده نائما فشدَّ رأسه بحجر وكان ذلك فى جبل ثور بمكة. وذكر فى فتح البارى أن هابيل قُتل وله عشرون سنة ولأخيه القاتل خمس وعشرون سنة. ولما قتله ندِم فقعَد يبكى عند رأسه. ثم بعث الله غرابين فاقتتلا حتى قَتل أحدُهما صاحبَه ثم حفر فدفنه. ففعل القاتل بأخيه كذا. وقال قوم: إنما ندمه كان على فقده أو حمله (سنة واحدة) لا على قتله. فقال ابن عباس: ولو كانت ندامته على قتله لكانت الندامةُ توبةً منه.

فاحذروا إخوة الإيمان الانجرار في الفتن، وابتعدوا عن أسبابها، واغتنموا أوقاتكم بالإقبال على الطاعات. إياكم والانجرار إلى سفك الدماء ظلمًا. فإن من قتل النفس التي حرم الله بغير حق لزمه في الدنيا من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعًا، وجعل الله جزاءه جهنم وغضب عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا. فقد قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿مِنۡ أَجۡلِ ذَٰلِكَ كَتَبۡنَا عَلَىٰ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ أَنَّهُۥ مَن قَتَلَ نَفۡسَۢا بِغَيۡرِ نَفۡسٍ أَوۡ فَسَادٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ ٱلنَّاسَ جَمِيعٗا وَمَنۡ أَحۡيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحۡيَا ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۚ وَلَقَدۡ جَآءَتۡهُمۡ رُسُلُنَا بِٱلۡبَيِّنَٰتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنۡهُم بَعۡدَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡأَرۡضِ لَمُسۡرِفُونَ ٣٢ ﴾ المائدة.

أقول قولىَ هذا وأستغفر اللهَ لى ولكم.

الحمد لله والصلاة والسلام على سيِّدِنا محمَّدٍ رسول الله وعلى ءاله وصحبه ومَن والاه. وبعدُ عبادَ الله اتقوا الله.

وإيَّاكم وأخذَ أموال الناس ظلما، فإن عاقبة ذلك وخيمة. وابتعدوا عن دعاة الهرج والبغي. فقد روى الحاكم عن رسول الله ﷺ أنه قال: ”تَأْتِي عَلَى النَّاسِ سَنَوَاتٌ جَدِعَاتٌ ، يُصَدَّقُ فِيهَا الْكَاذِبُ، وَيُكَذَّبُ فِيهَا الصَّادِقُ، وَيُؤْتَمَنُ فِيهَا الْخَائِنُ، وَيُخَوَّنُ فِيهَا الأَمِينُ، وَيَنْطِقُ فِيهِمُ الرُّوَيْبِضَةُ. قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الرُّوَيْبِضَةُ ؟ قَالَ: الرَّجُلُ التَّافِهُ، يَتَكَلَّمُ فِي أَمْرِ الْعَامَّةِ.“

وأيامنا هي هذه السنوات التي ذكرها رسول الله ﷺ. فصن أخي نفسَك، وَاحْمِ عائلتَك وأقاربَك من مواقع الفتن. واشْغَلْ نفسَك وأهلَك بالتعلُّم والتعلِيم والعبادةِ. وَاسْعَ في نجاة نفسك، فإنك محاسَب مسؤول. أجارنا اللهُ تعالى من غفلة القلوب وظُلمة الظُّلْم وأخرجَنا من هذه الدنيا بسلام.

اللَّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ.

الجمعة مسجد عمر ٢٧ جُمادَى الآخرة ١٤٤١ هـ - ٢١ شباط ٢٠٢٠ر


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط