Tuesday, 18 June 2019
A+ R A-

تَنزِيهُ اللهِ عنِ الجِسمِ وسائِرِ مَعَانِى الخَلْقِ

Listen to the Friday Speech in English here: Allah is Free of the Creation's Descriptions

إنَّ الحمدَ للهِ نحمدُه ونستغفرُه ونستعينُه ونستهديهِ ونشكرُه، ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا، من يهدِ اللهُ فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يُضلِلْ فلا هادِىَ له، وأشهدُ أن لا إلهَ إلا اللهُ وحدَه لا شريكَ لهُ. وأشهدُ أنّ سيّدَنا مُحمّدًا عبدُهُ ورسولُهُ. اللهم صلّ على سيّدنا محمدٍ وعلى ءالِه وصحبه وسلِّمْ. أما بعدُ عبادَ اللهِ، فإنّى أوصيكُمْ ونفسِىَ بتقوى اللهِ العلىِّ القديرِ القائل فى محكم كتابه: ﴿قُلۡ هُوَ ٱللَّهُ أَحَدٌ ١ ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢ لَمۡ يَلِدۡ وَلَمۡ يُولَدۡ ٣ وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ الإخلاص.

وأوصيكم بالثَّباتِ على عقيدةِ الأنبياءِ ونهجِ سيِّدِ الأنبياءِ عليهم الصلاة والسلام القائلِ: «وَاللَّهِ إِنّى لأعْلَمُكُمْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ.» اهـ رواه أحمد فى مسنده. فقدْ خصَّ النّبىُّ صلّى اللهُ عليهِ وسلّمَ نفسَهُ بالتَّرَقِّى فى هذا العِلمِ أى العِلْمِ باللهِ جَلَّ وَعَزَّ وصفاتِهِ لأنهُ أَجَلُّ العُلومِ وأعْلاها وأوجَبُها وأوْلاها.

ويدلُّ على ذلكَ قولُ اللهِ جَلَّ وَعَزَّ فى القُرءانِ الكريمِ: ﴿فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لِذَنۢبِكَ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُؤۡمِنَٰتِۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مُتَقَلَّبَكُمۡ وَمَثۡوَىٰكُمۡ ١٩﴾ محمد. فاللهُ جَلَّ وَعَزَّ قَدَّمَ فى هذهِ الآيةِ الأمرَ بمعرفةِ التَّوحيدِ على الأمرِ بالاستغفارِ لتعلُّقِ التَّوحيدِ بعِلْمِ الأصولِ وتعلُّقِ الاستغفارِ بعلمِ الفروعِ. لذلكَ قالَ الإمامُ أبو حنيفةَ رضى الله عنه فى الفقهِ الأبسطِ: اعلَمْ أنَّ الفقهَ فى الدينِ أفضلُ منَ الفقهِ فى الأحكامِ. اهـ ومرادُه بالفقهِ فى الدينِ علمُ الأصولِ، علمُ العقيدةِ، علمُ التوحيدِ.

أيها الأحبةُ، علمُ التوحيدِ لهُ شرفٌ على غيرِهِ من العلومِ لكونهِ متعلِّقًا بأشرفِ المعلوماتِ. فهوَ متعلِّقٌ بمعرفةِ اللهِ عزَّ وجلَّ على ما يليقُ بهِ. فالتوحيدُ عندَ أهلِ السنّةِ هو نَفْىُ التشبيهِ والتعطيلِ كما ذكرَ ابنُ حجرٍ العَسقلانى فى شَرحهِ على صَحيحِ البخارىّ. فهوَ مَبْنِىٌّ على إثباتِ ما يجبُ للهِ منَ الصفاتِ كالعلمِ والقدرةِ والإرادةِ معَ نفى التشبيهِ أى مع تنزيهِ اللهِ عن مُشابهةِ المخلوقينَ. وهذا مأخوذٌ من القرءانِ الكريمِ كقولِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١﴾ الشورى، وقولِه جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلَمۡ يَكُن لَّهُۥ كُفُوًا أَحَدُۢ ٤﴾ الإخلاص، وقولِه جَلَّ وَعَزَّ: ﴿وَلِلَّهِ ٱلۡمَثَلُ ٱلۡأَعۡلَىٰۚ وَهُوَ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٦٠﴾ النحل، وقولِه جَلَّ وَعَزَّ :﴿فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤﴾ النحل.

أما الآيةُ ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾ فهى أصرحُ ءايةٍ وردَتْ فى التنْزيهِ لأنهُ يفهَمُ منها التنزيهُ الكُلِّـىُّ. وتفسيرُها أنَّ اللهَ لا يُشبهُه شىءٌ بأى وجهٍ منَ الوجوهِ. ففى الآيةِ نَفْىُ ما لا يليقُ باللهِ عن اللهِ كالعجزِ والجهلِ والحدّ واللونِ والأعضاءِ والشكلِ والصورةِ والهيئةِ والتركيبِ. وأما قولُه جَلَّ وَعَزَّ ﴿وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ ١١﴾ ففيه إثباتُ ما يليقُ باللهِ. فالسمعُ صفةٌ لائقةٌ باللهِ والبصرُ كذلكَ. وإنما قدَّمَ اللهُ جَلَّ وَعَزَّ فى هذهِ الآيةِ التنزِيهَ حتى لا يُتوهَّمَ أنَّ سمعَهُ وبصرَهُ كسمعِ وبصَرِ غيرِهِ فاللهُ جَلَّ وَعَزَّ يَرى مِن غيرِ حاجةٍ إلى شعاعِ ضَوءٍ أو حدقةٍ عينٍ ويسمعُ مِن غيرِ حاجةٍ إلى أذنٍ وصِماخٍ أو ءالةٍ أُخرى، لأنَّ اللهَ ليسَ كمثلِهِ شىءٌ ليسَ جِسمًا ولا يُشبِهُ الأجسامَ.

إخوةَ الإيمانِ نَفْىُ الجسميةِ عن اللهِ مما أجمعَت عليهِ الأمةُ ومما نصَّ عليهِ السلفُ الصالحُ. فالإمامُ أحمدُ بن حنبلٍ الذى انتسبَ إليهِ عددٌ من المشبهةِ زُورًا وبهتانًا أنكرَ عَلى مَنْ قالَ بالجسمِ فى حقّ اللهِ وقالَ: إنَّ الأسماءَ -أى أسماءَ الأشياءِ- مَأخوذةٌ مِنَ الشَّريعةِ واللغةِ (أى هناك أشياءُ عُرفَتْ أسماؤُها مِنْ طريق الشّرعِ مِثل الصَّلاةِ الشَّرعيَّةِ وأشياءُ عُرفتْ أسماؤها منَ اللُّغةِ كالرَّجُلِ والفَرَسِ). وأهلُ اللغةِ وَضَعوا هذا الاسمَ (الجسم) لِذِى طُولٍ وعَرْضٍ وسَمْكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليفٍ. واللهُ سبحانَهُ وجَلَّ وَعَزَّ خارجٌ (منَزَّهٌ) عنْ ذلكَ كلِّهِ ولَمْ يَجِئْ ذلكَ فى الشَّريعةِ (لم يَرِدْ إطلاقُ الجسمِ على اللهِ فى الشرعِ. وذلكَ ضدُّ قولِهِ جَلَّ وَعَزَّ: ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ﴾.) فبطلَ (إطلاقُ ذلكَ على اللهِ شرعًا ولغةً). اهـ روَى ذلكَ عنهُ أبو ​الفضلِ التَميمىُّ البغدادِىُّ رئيسُ الحنابلةِ فى بغدادَ فى زمانه وابنُ رئيسِها. وكذا نقلَهُ البيْهقِىُّ عنِ الإمامِ أحمدَ فى كتابِه "مناقبُ أحمدَ".

ثم لوْ كانَ اللهُ جسمًا ذا طولٍ وعَرْضٍ وسَمْكٍ وتركيبٍ وصورةٍ وتأليفٍ لاحتاجَ لمنْ خصَّصَهُ بذلكَ الطولِ وذلكَ العرضِ وذلكَ السَّمكِ وذلكَ التركيبِ وتلكَ الصّورةِ. والمحتاجُ لا يَصِحُّ فى العقلِ أنْ يكونَ إلهًا. فمعنى الجسمِ لا يجوزُ وصفُ اللهِ بهِ شرعًا ولا عقلا. واللفظُ أى لفظُ الجسمِ لم يرِدْ فى الشرعِ إطلاقُهُ عليهِ، ولا يجوزُ فى الشرعِ تسميةُ اللهِ إلا بما سمَّى بهِ نفسَهُ أى إلا بما ثبتَ فى الشرعِ تسميتُه بهِ، كما ذكر إمام أهل السنة أبو الحسن الأشعرى وغيرُه. ولا يوصفُ جَلَّ وَعَزَّ إلا بما وصَفَ بهِ نفسَهُ. فبطلَ إطلاقُ اسمِ الجسمِ على اللهِ جَلَّ وَعَزَّ.

بل نقلَ صاحبُ الخِصالِ الحنبلىُّ عن الإمامِ أحمدَ نفسِه تكفيرَ مَنْ قالَ اللهُ جسمٌ لا كالأجسامِ. وهذا موافقٌ لما جاءَ عن باقى الأئمةِ. فقد ثبتَ عن الشافعىّ تكفيرُ المجسِّمِ، كما نقلَ عنهُ ذلكَ السُّيوطىُّ فى الأشباهِ والنَّظائرِ. بل فى المنهاجِ القويمِ لابنِ حجرٍ الهيتمىِّ أنَّ القرافىَّ وغيرَهُ حكَوا عن الشافعى ومالكٍ وأحمدَ وأبى حنيفةَ القولَ بكفرِ القائلينَ بالجهةِ والتجسيمِ، أى بكفرِ مَنْ يَنْسُبُ إلى اللهِ سبحانَهُ وجَلَّ وَعَزَّ الجسميةَ أو الكونَ فى جهةٍ لأنَّ كلَّ ذلكَ من معانى البشرِ.

وقد ذكرَ الإمامُ السَّلَفِىُّ الحنفىُّ أبو جعفرٍ الطَّحَاوِىُّ فى عقيدتهِ التى بَيَّنَ أنها بيانٌ لعقيدةِ أهلِ السنَّةِ والجماعةِ أنَّ مَن وصفَ اللهَ بمعنًى من مَعانى البشرِ فقَد كفرَ. اهـ والجسميةُ والتركيبُ والصورةُ والهيئةُ كلُّ ذلكَ من معانى البشرِ. فمَن نسبَ إلى اللهِ شيئًا من ذلكَ كافرٌ قطعًا. وقد قالَ الإمامُ أبو الحسنِ الأشعرى فى كتابِ النوادرِ: مَن اعتقدَ أنَّ اللهَ جسمٌ فهوَ غيرُ عارفٍ بربِّهِ وإنَّهُ كافرٌ بِه. اهـ

اللهم يا أرحمَ الرّاحمينَ، بجاهِ الأنبياءِ والمرسلينَ والأولياءِ والعلماء الصَّالحينَ، ثبّتْنا على عقيدتهِمْ، واجعلنا ممن ينصرُ الدينَ ويَرُدُّ على المحرّفين.

هذا وأستغفرُ اللهَ لى ولكُم.

الحمد لله الملك العلَّام* والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول السلام* وعلى ءاله وصحبه الكرام* وبعد، عباد الله اتقوا الله.

ثم إن وسط رمضان مقبل علينا. ومن حيث العادة يقبل المسلمون بنشاط قوىّ على العبادات فى أول رمضان ثم يخفُّ ذلك فى وسطه ثم يزداد فى العشر الأواخر. فمما يعيد الحيوية إلينا فى وسط الشهر الكريم أن نعرف الآتى :

روى الترمذى وابن ماجه عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «إِذَا كَانَ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ صُفِّدَتْ الشَّيَاطِينُ وَمَرَدَةُ الْجِنِّ، وَغُلِّقَتْ أَبْوَابُ النَّارِ فَلَمْ يُفْتَحْ مِنْهَا بَابٌ، وَفُتِّحَتْ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ فَلَمْ يُغْلَقْ مِنْهَا بَابٌ. وَيُنَادِى مُنَادٍ: يَا بَاغِيَ الْخَيْرِ أَقْبِلْ، وَيَا بَاغِيَ الشَّرِّ أَقْصِرْ. وَلِلَّهِ عُتَقَاءُ مِنْ النَّارِ، وَذَلكَ كُلَّ لَيْلَةٍ.» فقد تكون أنت عتيق الله من النار فى أواسط هذا الشهر، فلماذا الكسل والتوانِى؟ لابد من الانبعاث وإعادة الهمة.

عن واثلة بن الأسقع رضى الله عنه عن النبىّ ﷺ قال: «أُنزِلت صحفُ إبراهيم عليه السلام فى أول ليلة من رمضان، وأُنزِلت التوراةُ لستٍّ مَضَيْنَ من رَمَضانَ، وأُنزل الإنجيلُ لثلاثَ عشرةَ خَلَتْ من رمضانَ، وأُنزل الزَّبُورُ لثمان عشرةَ خَلَتْ من رمضان، وأُنزلَ القرءانُ لأَربعٍ وعِشْرينَ خَلَتْ من رمضانَ.» جاء ذلك فى حديث رواه الإمام أحمد والبيهقىّ والطبرانى وغيرهم. ونتذكر كذلك أن بعض كتب الله العظيمة نزلت فى أواسط رمضان، فنزول الإنجيل والزبور كانا فى وسط هذا الشهر الكريم، كما كان نزول صحف إبراهيم عليه السلام والتوراة فى أول الشهر، ونزول القرآن العظيم فى آخر الشهر.

قال رسول الله ﷺ: "من صام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذنَبِه. ومن قام رمضانَ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذنَبِه. ومن قام ليلةَ القَدْرِ إيماناً واحتساباً غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذنَبِه." مُتََّفَقٌ عَلَيهِ. فالإيمان والاحتساب للأجر يكون فى كل الشهر، فى أوله وفى وسطه وفى آخره، ليس فى أوّله فقط.

واعلم يا أخى أن كل ليلة من ليالى رمضان يحتمل أن تكون ليلةَ القدر. فَأَكْثِرْ من الدعاء والصلاة فى كل ليلة، وخاصة فى العشر الأواخر من رمضان. فالعبادة فى ليلة القدر خير من عبادة ألف شهر (٨٣،٣ سنة).

فلنغتنمْ هذا الشهرَ الكريمَ كلَّه ولنُرضِ ربَّنا العظيمَ. اللَّهُمَّ اغفِرْ للمؤمنينَ والمؤمناتِ.

الجمعة مسجد عمر ١٢ رمضان ١٤٤٠ هـ - ١٧ أيَّار ٢٠١٩ر

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط