Sunday, 23 February 2020
A+ R A-

عذاب القبر

Listen to the Friday Speech in English here: Torture of The Grave

إنَّ الحمدَ لله نَحْمَدُهُ ونستعينُهُ ونستهديهِ ونشكرُهُ ونستغفرُهُ ونتوبُ إليه. ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسِنا ومن سيئاتِ أعمالِنا. مَنْ يَهْدِ اللهُ فلا مُضِلَّ له ومَنْ يُضْلِلْ فلا هادىَ له. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له وأشهدُ أنَّ سيِّدَنا وحبيبَنا محمَّدًا عبدُهُ ورسولُهُ. صلواتُ الله وسلامُهُ عليهِ وعلى كلِّ رسولٍ أَرسَلَهُ.

أما بعدُ عباد الله، فإنّى أُوصِى نفسِى وإياكم بتقوَى الله العلىِّ القدير القائل فى محكم كتابه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨ وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ نَسُواْ ٱللَّهَ فَأَنسَىٰهُمۡ أَنفُسَهُمۡۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١٩ لَا يَسۡتَوِى أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ وَأَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۚ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِ هُمُ ٱلۡفَآئِزُونَ ٢٠﴾ (الحشر )

إخوة الإيمان، كلامُنا اليوم عن حياة البَرْزَخِ وما فيها. يقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿وَمَنۡ أَعۡرَضَ عَن ذِكۡرِى فَإِنَّ لَهُۥ مَعِيشَةٗ ضَنكٗا... ١٢٤﴾ (طه) أى من أعرَضَ عن الإيمان بالله تعالى فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضيّقةً فى القبر، كما فسَّرها النبىُّ ﷺ. وروَى الترمذىُّ عن رسول الله ﷺ أنه قال: ”القبرُ روضةٌ مِن رِياضِ الجنةِ أو حفرةٌ مِن حُفَرِ النار.“ وفى سنن النسائى عَنْ عَائِشَةَ رَضِىَ اللهُ عَنْهَا قالت: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ عَذَابِ الْقَبْرِ فَقَالَ: ”نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ.“

فمما يجب التصديق به، إخوةَ الإيمان، عذابُ القبر للكافر ولبعض عصاة المسلمين. قال الإمام أبو حنيفة رضى الله عنه فى الفقه الأكبر: "وضَغطةُ القبر وعذابُه حقٌّ كائنٌ للكفار ولبعض عصاة المسلمين." فلا يجوز إنكارُ عذاب القبر، بل إنكارُه كُفرٌ. قال الإمام أبو منصورٍ البغدادِىُّ فى كتاب الفَرْقُ بين الفِرَقِ: "وقطَعوا أى أهلُ السنة والجماعة بأنَّ المنكرين لعذاب القبر يُعذَّبون فى القبر." أى لكفرهم.

وهذا العذاب أيها الأحبة يكون بالروح والجسد، لكنَّ اللهَ يحجُبه عن أبصارِ أكثرِ الناس ليكونَ إيمانُ العبد إيمانًا بالغيب، فيعظُمَ ثوابُه. ويدل على كون العذاب بالروح والجسد ما وَرَدَ عن سيدنا عمرَ بنِ الخطَّابِ رضى الله عنه أنه سأل الحبيبَ محمدًا ﷺ: ” أَتُرَدُّ علينا عقولُنا يا رسول الله ؟ فقال ﷺ: نعم، كهيئتكم اليوم. قال: فَبِفيه الحجر.“ أى سَكَتَ وانقطع عن الكلام لسماعه الخبر الذى لم يكن يعرفه. هُوَ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ لا تُرَدُّ عَلَيْهِمْ عُقُولُهُمْ فَعَرَفَ خَطَأَ ظَنِّهِ.

ومن الأدلة على عذاب القبر أيضًا قولُ الله تبارك وتعالى: ﴿ٱلنَّارُ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا غُدُوّٗا وَعَشِيّٗاۚ وَيَوۡمَ تَقُومُ ٱلسَّاعَةُ أَدۡخِلُوٓاْ ءَالَ فِرۡعَوۡنَ أَشَدَّ ٱلۡعَذَابِ ٤٦﴾ (غافر).

والمراد بآل فرعون أتباعُه الذين اتبعوه على الشرك والكفر. هؤلاء يُعرَضون على النار أوّلَ النهار مرة وءاخِرَ النهار مرة، فيمتلئون رُعبًا وفزَعًا وخوفًا. وهذا العرض ليس فى الآخرة، إنما قبل قيام الساعة كما يفُهم من الآية. وليس قبل الموت كما هو ظاهر. فتعيَّن أن يكون فى مدة القبر فى البرزخ، وهى المدة ما بين الموت والبعث.

إخوةَ الإيمان، روى عن رسول الله ﷺ أنه قال لأناسٍ: ”فأَكْثِرُوا مِن ذِكْرِ هَاذِمِ اللَّذَّاتِ المَوْتِ. فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ عَلَى الْقَبْرِ يَوْمٌ إِلا تَكَلَّمَ فِيهِ فَيَقُولُ: أَنَا بَيْتُ الْغُرْبَةِ، وَأَنَا بَيْتُ الْوَحْدَةِ، وَأَنَا بَيْتُ التُّرَابِ، وَأَنَا بَيْتُ الدُّودِ. فَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ أى الكامل قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: مَرْحَبًا وَأَهْلًا. أَمَا إِنْ كُنْتَ لأحَبَّ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهْرِى إِلَىَّ. فَإِذْ وُلِّيتُكَ اليَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنيعِى بِكَ. قَالَ: فَيَتَّسِعُ لَهُ مَدَّ بَصَرِهِ، وَيُفْتَحُ لَهُ بَابٌ إِلَى الْجَنَّةِ. وَإِذَا دُفِنَ الْعَبْدُ الْفَاجِرُ أوْ الْكافِرُ قَالَ لَهُ الْقَبْرُ: لا مَرْحَبًا ولا أَهْلًا. أَمَا إِنْ كُنْتَ لأبْغَضَ مَنْ يَمْشِى عَلَى ظَهرِى إِلَىَّ. فَإِذْ وُلِّيتُكَ الْيَوْمَ وَصِرْتَ إِلَىَّ فَسَتَرَى صَنِيعىَ بكَ. قَالَ: فَيَلْتَئِمُ عَلَيْهِ حَتَّى تَلْتَقِىَ عَلَيْهِ وَتَخْتَلِفَ أضْلاعُهُ.“ قال أى الراوى: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِأَصَابِعِهِ، فَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِى جَوْفِ بَعْضٍ. قَالَ: ”وَيُقَيِّضُ اللهُ لَهُ سَبْعِينَ تِنِّينًا، لَوْ أنَّ وَاحِدًا مِنْهَا نَفَخَ فِى الأرْضِ مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا مَا بَقِيَتِ الدُّنيَا. فَيَنْهَشْنَهُ وَيَخْدِشْنَهُ حَتَّى يُفْضَى بِهِ إِلَى الحِسَابِ.“

فمن عذاب القبر إخوة الإيمان ضغطةُ القبر. يقترب حائطَا القبر من جانبيه حتى تتداخل أضلاعُه، أضلاعه التى عن جانبه الأيمن تتداخل مع أضلاعه التى عن الجانب الأيسر. أحبتى من ذا الذى يحتمل ألمَ التواءٍ فى أحد أصابعه؟ من ذا الذى يحتمل ألم كسر فى اليد؟ فأىّ ألم ذاك حين تتداخل الأضلاع بعضها ببعض؟

ومن عذاب القبر أيضًا تسليطُ الأفاعِى والعقاربِ وحشراتِ الأرض عليه فتَنْهَشُ وتأكل من جسده. ففى المستدرك عن رسول الله ﷺ أنه يقال للفاجر: ”ارقُدْ منهوشًا. فما من دابَّةٍ فى الأرض إلا ولها فى جسده نصيبٌ.“ وروى الطبرانُّى عنه ﷺ أنه قال: ”وَيُسَلَّطُ عَلَيْهِ عَقَارِبُ وَثَعَابِينُ، لَوْ نَفَخَ أَحَدُهُمْ فِى الدُّنْيَا مَا أَنْبَتَتْ شَيْئًا، تَنْهَشُهُ. وتؤمَرُ الأرضُ فتضمُّه حتى تختلفَ أضلاعُهُ.“

ومن عذاب القبر أيضًا الانزعاجُ من ظُلمة القبر ووحشتِه. ومنه أيضًا ضرب منكر ونكير للكافر بمطرقة من حديد لو ضُرب بها جبل لذاب. يُضربُ ضربةً فيصيح من الألم صيحةً يسمعها مَن يليه إلا الثَّقَلَيْنِ أى إلا الإنسَ والجنَّ.

اللهم أجرنا من عذاب القبر وضغطتِه يا أرحم الراحمين. هذا وأستغفر الله لى ولكم.

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى ءاله وصحبه ومَن والاه. وبعدُ عبادَ الله اتقوا الله.

إخوةَ الإيمان، روى أبو داودَ فى سننه عن البَرَاء بن عازِب رضِىَ الله عنه أنه قال: خَرَجْنَا وفى صحيح مسلم عن أَبى هُرَيْرَةَ رَضِىَ الله عنه أنه قال: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: ”عُوذُوا بِاللهِ مِنْ عَذابِ اللهِ. عُوذُوا بِاللهِ مِن عَذَابِ القَبْرِ. عُوذوا بِاللهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ. عُوذُوا بِاللهِ مِنُ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ.“

فواعجبًا ممن أيقن عذابَ القبر وءامَن به، كيف يجرؤ على أن يعصىَ اللهَ خالقَهُ، ويُعرّضُ نفسه لسخطِ الله وعقابهِ.

فخافوا اللهَ عبادَ الله واتقوه. واسألوه بخوف وتضرع فى جوف الليل، وفى سجودكم، وعند السحر، السلامةَ من عذاب القبر. اللهم إنا نعوذ بك من عذاب القبر، ومن عذاب النار. ونعوذ برضاك مِن سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك.

اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات.

الجمعة فلادلفيا ٩ ربيع الآخر ١٤٤١ هـ - ٦ ك١ ٢٠١٩ر


Loading...

Share this post

Submit to DiggSubmit to FacebookSubmit to Google PlusSubmit to StumbleuponSubmit to TwitterSubmit to LinkedIn

Site Disclaimers

Listen to the Qur'an

Click

كيف يدخل غير المسلم في الإسلام

يَدخل غيرُ المسلم في الإسلام بالإيمان بمعنى الشهادتين وقولِهِما سامعًا نفسَه بأيّ لغةٍ يُحسنها.

وإن أراد قولَهما بالعربية فهما:

أَشْهَدُ أَنْ لا إلَـهَ إلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ الله

وَهَذا هو التسجيل الصوتي للشهادتين اضغط